في الوقت الذي تفرض فيه إدارة ترامب الإغلاق العسكري لموانئ إيران، كجزء من حربها الاستعمارية الجديدة الأوسع نطاقاً ضد شعوب الشرق الأوسط، من الجدير بالذكر أنه قبل 250 عاماً، وتحديداً في 6 نيسان / أبريل 1776، أعلن الكونغرس القاري، الحكومة الثورية للمستعمرات الأمريكية، أن موانئه ستكون مفتوحة للتجارة العالمية، وليس فقط لسفن وتجار بريطانيا العظمى.
كان ذلك إعلاناً بالغ الأهمية، لا يقل أهمية عن أي معركة من معارك الثورة الأمريكية، ويتحدث بوضوح غير متوقع إلى حاضرنا.
بفتح الموانئ أمام جميع الدول باستثناء بريطانيا العظمى - التي كانت المستعمرات في حالة حرب معها بالفعل، وقبل ثلاثة أشهر من الإعلان الرسمي للاستقلال - رفض الكونغرس قوانين الملاحة. اشترطت تلك القوانين، التي يعود تاريخها إلى قرن من الزمان، أن تمر التجارة الاستعمارية حصرياً عبر التجار والموانئ البريطانية، الأمر الذي ضمن للبلد الأم فائضاً دائماً في ميزان المدفوعات. كانت تلك العقيدة، القائلة بأن المستعمرات وُجدت لإثراء التاج البريطاني ومصالح حاشيته الاحتكارية، جوهريةً للنظام الاقتصادي التجاري الأوسع، الذي نُظر فيه إلى التجارة العالمية على أنها منافسة محصلتها صفر، إذ تطلب مكسب إمبراطورية ما، المُقاس بتدفق الذهب والفضة، خسارة إمبراطورية أخرى.
لكن النضال الأمريكي ضد النظام التجاري كان أكثر من مجرد حلقة في نشأة العالم الرأسمالي الحديث، على الرغم من أهميته البالغة للتاريخ اللاحق. فقد عززت الثورة مطالب الشعوب بالحكم الذاتي السياسي والاقتصادي، وتحدّت النظام برمته الذي بررت به الإمبراطوريات سيطرتها على المستعمرات، وعلى شعوبها العاملة في الداخل، ضمنياً على الأقل.
أوضح كبار المنظرين والمسؤولين الإمبراطوريين نظام التبعية التجارية بصراحة لافتة. وكما نصّ قانون السلع الأساسية لعام 1663 صراحةً في ديباجته، كان الهدف هو فرض 'تبعية أقوى' و'تفريغ' الصناعات الإنجليزية في المستعمرات. ورأى الاقتصادي مالاشي بوستلثويت، من القرن الثامن عشر، أن الغاية الأساسية من المستعمرات الخاضعة هي 'أن تكون تابعة مباشرة لبلدها الأم وأن تُخضع مصالحها لها'. وكما قال اللورد كورنبري: 'يجب إبقاء جميع تلك المستعمرات، التي هي مجرد أغصان تابعة للشجرة الأم، تابعة وخاضعة تماماً لإنجلترا'.
وانطلاقاً من هذا المنطق السائد، سنّ البرلمان قوانين صارمة للتجارة الاستعمارية. واقتصر نقل البضائع الأمريكية على السفن التي رفعت العلم البريطاني، وكان على تلك السفن أن تضم أغلبية من البحارة البريطانيين. حددت القوانين قائمة طويلة من 'السلع المحددة' التي وجب أن تتدفق حصرياً إلى إنجلترا، أو أن تصل إليها أولاً قبل أن يُسمح بنقلها إلى وجهات أوروبية أخرى بعد فرض ضريبة عليها. كما حظرت قوانين أخرى على المستعمرات إصدار العملة الورقية، وبيع المنتجات الحديدية المصنعة، وقطع الأخشاب الممتازة لبيعها في الأسواق، وتصدير المنسوجات الصوفية، وحتى شحن القبعات عبر حدود المستعمرات.
ازدهرت التجارة والاتصالات بين المستعمرات، بفضل تطوير بنجامين فرانكلين لنظام البريد، وكذلك التجارة الخارجية، التي كان بعضها غير قانوني بموجب قوانين الملاحة. وكان من بين الآباء المؤسسين العديد ممن تضررت ثرواتهم من قيود المذهب التجاري (ميركانتيلي)- تجار كانوا على هامش شبكات المحسوبية الأساسية، بمن فيهم جون هانكوك من بوسطن وروبرت موريس من فيلادلفيا؛ ومزارعو التبغ في فرجينيا الذين وقعوا في نظام ائتماني جعلهم مدينين بشكل مزمن لبيوت تجارية بريطانية، من بينهم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون. وحتى فرانكلين نفسه، الذي شغل منصب مدير عام البريد الاستعماري في ظل التاج البريطاني وقضى ما يقرب من عقدين من الزمن في لندن كعميل استعماري، أدرك أنه لا يستطيع أن يرتقي أكثر من ذلك في نظام الامتيازات الموروثة.
كانت قطاعات أوسع بكثير من السكان مقيدة بقوانين المذهب التجاري، بما في ذلك صفوف الحرفيين الحضريين المتزايدة وأعداد المزارعين المتنامية الذين انجذبوا إلى سوق المحيط الأطلسي. بدا أن هؤلاء الأمريكيين في كل مكان يتوقون إلى المال، 'المعادل العالمي' كما سماه ماركس لاحقاً، الذي أدت ندرته بسبب القيود التجارية التي فضلت الجنيه الإسترليني إلى ابتكار المستعمرين شبكة من سندات الائتمان والأوراق النقدية الخاصة الصادرة محلياً - التي غالباً ما يكون مشكوك في شرعيتها - للتحايل على الضوابط النقدية الإمبراطورية.
في مواجهة ذلك النوع من العناد الاستعماري، شرع البرلمان والوزارة في دفاع أكثر شراسة عن نظامهما التجاري في العقد السابع من القرن الثامن عشر، مما أدى إلى اندلاع الأزمة الإمبراطورية، حيث أصدرت إنجلترا سلسلة من القوانين والضرائب المصممة ليس فقط لدعم المالية الإمبراطورية، بل لإعادة تأكيد تبعية المستعمرات - من بينها قانون الطوابع، وقانون السكر، وقانون العملة، وقانون الشاي، وقانون التصريح - وردت المستعمرات بعواصف متزايدة من الاحتجاجات. وفي ذلك الصراع المتصاعد، دافع البرلمان عن المذهب التجاري حتى النهاية، حتى بين رجال الدولة الإنجليز الليبراليين. وكما قال السير ويليام بيت عام 1766، 'يجب أن تمتد السيادة البريطانية على المستعمرات لتشمل كل تشريع، بحيث نتمكن من تقييد تجارتهتا، والحد من صناعتها، وممارسة كل سلطة ممكنة'، قبل التنازل 'عن أي شيء، باستثناء سلب أموالها دون موافقتها'.
وكان قرار المؤتمر القاري الصادر في 6 نيسان / أبريل 1766 بفتح الموانئ موجهاً بشكل مباشر ضد ذلك النظام. نصّ القرار على ما يلي:
يجوز تصدير أي سلع وبضائع من المستعمرات المتحدة الثلاث عشرة، من قِبل سكانها، ومن قِبل شعوب جميع البلدان غير الخاضعة لملك بريطانيا العظمى، إلى أي جزء من العالم ليس تحت سيطرة الملك المذكور... كما يجوز استيراد أي سلع من أي جزء آخر من العالم إلى المستعمرات المتحدة الثلاث عشرة، من قِبل سكانها، ومن قِبل شعوب جميع البلدان غير الخاضعة للملك المذكور.
أمل جون آدامز وغيره من الثوار الذين ناقشوا القرار في المؤتمر القاري في أكثر من ذلك - إعلان الاستقلال. لكنهم أدركوا أن فتح الموانئ سيكون خطوة حاسمة في ذلك الاتجاه، وربما يُسهم في ضمان دعم القوى الأوروبية الكبرى ضد بريطانيا. طمأن توم باين القراء قائلاً: 'سيظل للأمريكيين سوقٌ ما دام تناول الطعام عادة أوروبية'. كان أحد الآثار العملية الفورية هو دعوة التجار الأجانب إلى معاملة الموانئ الأمريكية كمراكز تجارية مستقلة، مما أتاح لجيش واشنطن القاري الوصول إلى الأسلحة والبارود الأوروبي.
الأهم من ذلك تاريخياً هو ما قدمه ذلك الإجراء للنضال ضد الاستعمار. فقد منح التجار الأمريكيين حرية التجارة أينما شاءوا، دون قيود قوانين الملاحة أو الامتيازات الحصرية للاحتكارات البريطانية الممنوحة بموجب تراخيص التاج، مثل شركة خليج هدسون، وشركة بحر الجنوب، والشركة الملكية الأفريقية، وبالطبع شركة الهند الشرقية البغيضة، التي كانت هدفاً لحادثة حفلة شاي بوسطن عام 1773. وبهذا المعنى، ما انفصل ذلك القرار عن الهجوم الأوسع للثورة على النظام الملكي وعلاقاته بالملكية، وهو هجوم امتد عميقاً في مجتمع المستعمرات.
لم تكن الثورة، كما قيل مراراً، حرباً على الحكم الذاتي فحسب، بل على من سيحكم في الداخل. فقدت العائلات العريقة التي هيمنت طويلاً على التجارة والسياسة في المستعمرات - على سبيل المثال، عائلة هاتشينسون في نيو إنجلاند، وعائلة دي لانسي في نيويورك، وعائلة ألين في بنسلفانيا، وعائلة راغ في كارولاينا الجنوبية - مناصبها وسلطتها. حطمت الثورة شبكات المحسوبية المتفرعة من التاج عبر هؤلاء النبلاء. شكّلت أنظمة المحسوبية تلك الأساس الاجتماعي لحركة المحافظين خلال الثورة. فرّ نحو 80 ألفاً من هؤلاء الموالين، كما أًطلق عليهم، من المستعمرات أثناء الحرب، وهو ما يفوق نسبةً إلى عدد السكان بستة أضعاف عدد المهاجرين الذين فرّوا من فظائع الثورة الفرنسية الكبرى بعد عقد من الزمن. صودرت ممتلكات العديد من تلك العائلات. وقُضي على الطبقة الأرستقراطية وبقايا النظام الإقطاعي في الولايات المتحدة الأمريكية بشكلٍ أكثر شمولاً مما حدث في فرنسا بعد عام 1789 أو في أي مكان آخر قبل الثورة الروسية عام 1917.
لكن الضرر الذي لحق بالمذهب التجاري في المستعمرات ما كان سوى غيض من فيض. فقد كان النظام التجاري معقداً للغاية لدرجة أنه 'عندما انقطعت الصلة بين إنجلترا ومستعمراتها مع اندلاع الثورة الأمريكية، انهار النظام برمته، بقدر ما أثر على التجار في المستعمرات'، كما كتب برنارد بايلين. وكانت العواقب وخيمة حتى على مصالح التجار في أغنى مستعمرات بريطانيا، جزر الهند الغربية التي اعتمدت على عمالة السخرة في إنتاج السكر، حيث، كما قال إريك ويليامز، 'مثّل الاستقلال الأمريكي بداية انحدار متواصل' أدى إلى نهاية العبودية. وأضاف ويليامز: ' كان هناك قول شائع في ذلك الوقت مفاده أن الحكومة البريطانية لم تفقد ثلاثة عشر مستعمرة فحسب، بل ثماني جزر أيضاً'.
لم تكن الضربة التي وجهتها الثورة للعبودية مجرد أثر جانبي غير مقصود للاضطراب التجاري. في الواقع، فإن القرار نفسه الذي فتح الموانئ للعالم وضع في الوقت نفسه حداً لسلعة واحدة لا يُسمح لها بالعبور إلى الموانئ الأمريكية هي العبيد. فقد نص القرار على: 'يُقرر عدم استيراد أي عبيد إلى أي من المستعمرات المتحدة الثلاث عشرة'. وأكد ذلك الشرط الموقف الذي اتخذه الكونغرس القاري عام 1774 بحظر مشاركة أمريكا في تجارة الرقيق. وحظي ذلك الحظر بتأييد واسع النطاق والتزم به الجميع، حتى في المستعمرات التي اعتمدت على الرق. بل إن ولاية فرجينيا كانت أصدرت حظراً مماثلاً عام 1773، كما أن إدانة جيفرسون للرق في كتابه 'نظرة موجزة على حقوق أمريكا البريطانية'، الذي نُشر في العام التالي، انتشرت على نطاق واسع وقُرئت على نطاق واسع. وذكر جيفرسون في كتابه:
إن إلغاء الرق المحلي هو الهدف الأسمى لهذه المستعمرات حيث تم إدخاله للأسف في بداياتها. ولكن قبل منح العبيد الذين لدينا حق التصويت، من الضروري استبعاد جميع الواردات الأخرى من أفريقيا'. ومع ذلك، فقد قوبل طلبنا المتكرر لتحقيق ذلك عن طريق الحظر وفرض الرسوم التي ربما وصلت إلى حد الحظر بالرفض حتى الآن من قبل جلالته، مفضلاً بذلك المنفعة الفورية لعدد قليل من القراصنة البريطانيين على المصلحة الدائمة للولايات الأمريكية، وعلى حقوق الطبيعة البشرية التي جُرحت بشدة من هذه الممارسة المشينة.
قد يبدو غريباً أن يقتصر فتح الموانئ على استثناء واحد فقط، وهو حظر تجارة الرقيق، لا سيما في ضوء الحجة التي روج لها مشروع نيويورك تايمز لعام 1619 وبعض المؤرخين عديمي المبادئ، بأن الثورة كانت مشروعاً عنصرياً أُطلق للدفاع عن العبودية في مواجهة الخطط البريطانية لتحرير العبيد.
ومن بين الحقائق التاريخية العديدة التي يمكن الاستشهاد بها لدحض هذه المغالطات، ملاحظة رون تشيرنو، كاتب سيرة واشنطن، نقلاً عن المؤرخ جوزيف إليس، بأن آلاف الجنود السود خدموا في الجيش القاري، 'مما جعله القوة القتالية الأمريكية الأكثر تكاملاً قبل حرب فيتنام. وفي أوقات مختلفة، شكل السود ما بين 6 إلى 12 بالمئة من جيش واشنطن'.
كان واضحاً بالفعل لجيل عام 1776، حتى بين ملاك العبيد، أن تجارة البشر البشعة كانت محور النظام الاستعماري الأوسع. وكان التجار البريطانيون على دراية مماثلة بذلك، بعد أن خاضوا حرباً تجارية كبرى ضد الهولنديين للسيطرة على تجارة الرقيق. على سبيل المثال، كتب بوستيلويت المذكور آنفاً كتيباتٍ حملت عناوين مثل 'المزايا الوطنية والخاصة لتجارة الرقيق الأفريقية'، وما إلى ذلك.
في عالم التنوير الذي كان لا يزال يبحث عن إجاباتٍ حول أصول البشرية وكيفية عمل السلطة السياسية، بدا أن سيطرة التاج البريطاني على تجارة الرقيق وهيمنته على مستعمراته عكستا وجهين لحقيقةٍ واحدةٍ واضحة. لهذا السبب، شكّلت العبودية الاستعارة الرئيسية التي استخدمها الوطنيون لتبرير القمع الاستعماري. فقد رددوا مراراً أن الحرية، إن لم تكن محميةً من الطغيان، ستفسح المجال للعبودية. وخلص جون آدامز إلى أنه 'لا يوجد في العالم سوى نوعين من الرجال: الأحرار والعبيد'. ولأول مرة في تاريخ العالم، أصبحت العبودية خطأً بيّناً، مما استدعى تبريراً، وتفسيراً أدى في نهاية المطاف إلى ظهور العنصرية كأيديولوجيةٍ حديثة.
نشأ المذهب التجاري وتجارة الرقيق البشعة المصاحبة له تدريجياً من رحم الاقتصاد السياسي للإقطاع، وهو نظام لم يشعر المستفيدون منه بحاجة تُذكر للتساؤل عن مصادر سلطتهم وثروتهم، سواء أكانت من الفلاحين، أو الأقنان، أو الخدم، أو السخرة، أو العبيد. وبالتأكيد، ما نُظر إلى العمل في ذلك النظام القديم على أنه نابع من إرادة الفرد الحرة، كما هو الحال في عصرنا. كان العمل جلياً في كل مكان، ظاهراً في الكدح الإجباري البائس الذي قامت به تلك 'الجماهير المهمشة' في قاع المجتمع. لكن لم يكن بالإمكان فهمه كمصدر للثروة. فقد ارتبط العمل بالضرورة والفقر والذل. وبدا أن الثروة هبة من الله وحق موروث. كانت امتيازاً ثابتاً، مُثبتاً في الملكية وفي الأرض التي يُقيد فيها العمل، بحيث بدا أن مكسب سيد ما يأتي بالضرورة على حساب سيد آخر.
نقلت النزعة التجارية، التي أطلق عليها ماركس أيضاً عصر 'التراكم الرأسمالي البدائي'، هذا المنطق الإقطاعي إلى نطاق أوسع، 'متخذةً العالم مسرحاً لها'. ومع تحوّل الاهتمام من الأرض إلى التجارة، ضعفت البارونيات الإقطاعية لصالح الملكيات المركزية وبيوت التجار الأرستقراطية التي تنافست بدورها على المعادن النفيسة والمستعمرات وموازين التجارة المواتية والسيطرة على تجارة الرقيق.
لم يُرسم خط فاصل واضح بين المصالح الخاصة للملك ومنصبه العام، فبدا إثراء الملك وحاشيته، وتضخم الخزانة الملكية، وتمويل الحروب الأسرية، كلها جوانب لمشروع واحد. كانت الحرب هي المفتاح، ووسيلة الاستيلاء على الأسواق والموارد وطرق التجارة من القوى المنافسة. لم تكن قوانين الملاحة واللوائح الإمبراطورية ذات الصلة سوى إضفاء طابع قانوني على افتراض أن التجارة العالمية جائزة ثابتة، وأن إثراء دولة ما لا بد أن يكون على حساب خسارة دولة أخرى.
لكن التوسع الهائل للتجارة العالمية خلق عالماً جديداً أدى إلى تآكل العلاقات الإقطاعية القائمة على الملكية وعالمها السياسي. كتب ويليامز في كتابه 'العبودية والرأسمالية': ' دمر الاستقلال الأمريكي النظام التجاري وأفقد النظام القديم مصداقيته. وتزامن ذلك مع المراحل الأولى للثورة الصناعية، مما حفز الشعور المتزايد بالاشمئزاز من النظام الاستعماري الذي عبر عنه آدم سميث '. في الواقع، ليس من قبيل المصادفة أن كتاب سميث 'ثروة الأمم'، الذي يُعتبر غالباً النص التأسيسي للاقتصاد السياسي البرجوازي الحديث، نُشر لأول مرة في 9 مارس 1776، قبل شهر واحد فقط من فتح الكونغرس للموانئ، وقبل أربعة أشهر من إعلان الاستقلال الذي صاغه جيفرسون.
كان من الواضح أن التبادل بين الشعوب لـ'السلع' - وهي كلمة حملت آنذاك تقريباً معناها اللاتيني الأصلي 'الأشياء التي تُعطي الراحة' - كان 'مُوفقاً'، وهو مصطلح آخر شائع الاستخدام. لقد وجد عصر التنوير، الذي سعى إلى البحث عن القوى الخفية التي بدت وكأنها ربطت المجتمع ببعضه - على غرار علماء الطبيعة الذين بحثوا عن القوى الخفية التي تربط العالم الطبيعي - إجابةً في تبادل السلع. وخلص سميث إلى القول: 'لا تُعتبر الأمة غنية بوفرة الذهب والفضة، بل بوفرة الضروريات ووسائل الراحة في الحياة'.
علاوة على ذلك، بات من الواضح أن الثروة نفسها نبعت من حقٍّ أقدم وأصيل، ألا وهو الحق في ثمار العمل الناجم عن ملكية الفرد لنفسه. ربما لم يكن العمل مجرد لعنة إلهية على الإنسان الساقط، بل قد يكون في الواقع المصدر الحقيقي للثروة. فكّر سميث قائلاً: 'لم تُشترَ ثروات العالم كلها في الأصل بالذهب أو الفضة، بل بالعمل'.
لم يستوعب سميث وغيره من المفكرين المتقدمين في عصره بعدُ أن القيمة ليست مقياساً 'طبيعياً'، بل شكلاً اجتماعياً محدداً تاريخياً، وأن وراء سعر السوق يكمن وقت العمل المجرد والضروري اجتماعياً، وأن العمال لا يبيعون عملهم، بل يبيعون قدرتهم على العمل، وأن الربح ليس سوى فائض القيمة: الجزء من تلك القدرة الذي يأخذه الرأسمالي دون أن يدفع ثمنه.
كان الآباء المؤسسون أبعد ما يكون عن نلك الأفكار من سميث نفسه. لم يكن بوسع النظرية أن تسبق الواقع في مجتمعٍ ما زالت فيه ملامح الرأسمالية الحديثة في طور التكوين. لم تشهد المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية أي تطور صناعي، وظلت كلمة 'صناعات' وفية لأصلها اللاتيني، أي العمل اليدوي. لم تكن هناك طبقة عاملة بالمعنى الحديث، إذ لم تتجاوز نسبة العاملين بأجر 10% من السكان. كانت فيلادلفيا، أكبر مدينة في عام 1770، وضمن 30 ألف نسمة فقط. وسيطر على هذا المجتمع البدائي سريع النمو طبقة عتيقة من أصحاب المصالح البلاطية ذوي التطلعات الملكية. لكن حتى هؤلاء كانوا صغاراً مقارنة بعمالقة الأرستقراطية البريطانية والنبلاء الفرنسيين.
كتب تروتسكي ذات مرة عن النظام الإمبريالي العالمي أن الثورة الروسية 'كسرت السلسلة عند أضعف حلقاتها'. وأضاف: 'لكن السلسلة هي التي انكسرت، وليس الحلقة فقط'. ويمكن قول الشيء نفسه عن الثورة الأمريكية عام 1776. فقد دمرت النظام التجاري والعالم الملكي في أضعف نقاطه، على أطرافه. لكن النتائج كانت مع ذلك بالغة الأهمية. كما كتب ماركس إلى لينكولن عام 1864، 'أرست حرب الاستقلال الأمريكية عهداً جديداً من صعود الطبقة الوسطى'، مُولِّدةً 'فكرة الجمهورية الديمقراطية العظمى'. في ذلك الحين، صدر 'أول إعلان لحقوق الإنسان، وأُعطيت الشرارة الأولى للثورة الأوروبية في القرن الثامن عشر'.
يبدو أن الصراعات التي شكلت حقبةً ما تعود للظهور في حقبة أخرى. فالسلطة الاستبدادية التي واجهها جيل الثورة عام 1776 في ظل النظام الملكي ونظامه التجاري، عادت في عصرنا بأشكال جديدة بشعة. لقد طمست إدارة ترامب الخط الفاصل بين المنصب العام والإثراء الخاص بوقاحةٍ كانت لتُثير إعجاب حتى أكثر مُحتكري التاج البريطاني جشعاً - حكومةٌ تجني فيها عائلة الرئيس أرباحاً علنية من الرسوم الجمركية التي يفرضها، ومن مشاريع العملات المشفرة التي يُروج لها بمراسيم تنفيذية، ومن الحكومات الأجنبية التي تسعى لكسب ودّه. إن 'السياسة التجارية' الأمريكية تعيد إنتاج سمات المنطق التجاري الذي فككته الثورة: وهو أنه يجب الاستيلاء على أجزاء من العالم من خلال الحرب من أجل الإثراء الشخصي للأوليغارشية الأمريكية، أو تدميرها حتى لا يتمكن أي شخص آخر من الحصول عليها.
تكمن وراء كل هذا ن محاولة إحياء شيء كان الآباء المؤسسون ليدركوه فوراً، ألا وهو المبدأ الأرستقراطي: الادعاء بأن المنصب العام ليس إلا امتداداً للملكية الخاصة، وأن الثروة تمنح الحق في الحكم، وأن الثروة الموروثة والمتراكمة هي مبررها في حد ذاتها، وأن التمييز بين الرجل العظيم والعامة أمر طبيعي ودائم. إنه نظام يحتقر العمال، والطبقة العاملة، مرة أخرى.
ليست هذه الصفات سمات شخصية لدونالد ترامب، بل هي خصائص نظام اجتماعي مريض ومنهك تجاوز دوره التقدمي التاريخي منذ زمن طويل. فكما أصبح النظام الملكي في القرن الثامن عشر قيداً لا يُطاق على تطور المجتمع، وأُزيح لا برغبات العظماء بل بمنطق التاريخ الموضوعي، كذلك تخلق الرأسمالية المتداعية في عصرنا الظروف لانتفاضة ثورية. إن القوة الدافعة لهذا التقدم هي الطبقة العاملة العالمية، الوريثة الحقيقية لتقاليد التحرر في أعوام 1776 و1789 و1865 و1917، بل وكل ما هو تقدمي في التاريخ. إنها سلاح قوي في أيدي الطبقة العاملة.
