ألكسندر رابينوفيتش، بقاء البلاشفة: بتروغراد 1919، مطبعة جامعة بيتسبرغ، 2026.
ركز كتاب 'بقاء البلاشفة: بتروغراد 1919' للبروفيسور الراحل ألكسندر رابينوفيتش، على السنة الثانية من حكم البلاشفة في بتروغراد. ويُعدّ إضافةً قيّمةً لتاريخ الحرب الأهلية التي أعقبت ثورة أكتوبر 1917. توفي رابينوفيتش في 16 حزيران/ يونيو، بعد فترة وجيزة من نشر هذا الكتاب في أواخر نيسان / أبريل، وكان أستاذاً فخرياً في جامعة إنديانا، بلومنجتون. غطت مجلداته الثلاثة السابقة عامي 1917 و1918، حيث أوضحت بتفصيل كبير أن ثورة أكتوبر 1917 كانت إصلاحاً اجتماعياً شاملاً، قاده الحزب البلشفي المتجذر بعمق في الطبقة العاملة. ويُعد كتابه الأخير استكمالاً لاقاً لسلسلته المهمة.
وكما هو الحال في أعمال رابينوفيتش السابقة، استند كتاب 'بقاء البلاشفة' إلى بحث أرشيفي رائد ودقيق للغاية. يتميز الكتاب بأسلوبه الشيق، وقد أُنتج بعناية فائقة، بما في ذلك مجموعة استثنائية من الصور الأرشيفية التي لم تُنشر من قبل لمدينة ثورة 1917، وسكانها، وقادتها الرئيسيين، ومن بينهم ليون تروتسكي، وأدولف يوفي، وسارة رافيتش، وسيرجي زورين. وقد لعب العديد منهم لاحقاً أدواراً مهمة في المعارضة اليسارية ضد الستالينية.
تضمن هذا الكتاب أيضاً العديد من نقاط القوة الأخرى التي ميزت مؤلفات رابينوفيتش السابقة: فهو يأولى اهتماماً كبيراً للصراعات السياسية داخل الحزب البلشفي، ومشاعر الطبقة العاملة وهمومها، وبين الدور المحوري الذي لعبه ليون تروتسكي في ضمان انتصار البلاشفة في الثورة والحرب الأهلية. مع ذلك، خاجج رابينوفيتش بأن القيادة البلشفية، بعد أن فقدت صلتها تدريجياً بالطبقة العاملة واتجهت إلى قمع المعارضة، قد أرست الأساس للحكم الديكتاتوري اللاحق لستالين. قبل الخوض في هذا النقد بمزيد من التفصيل، سنلخص بعض النتائج التاريخية الرئيسية لهذا الكتاب.
الصراع ضد الثورة المضادة
يصف كتاب 'بقاء البلاشفة' بتفصيل دقيق وصور حية التحديات الموضوعية الهائلة التي واجهت الدولة الثورية الوليدة. يُمكن القول إن عام 1919 كان أصعب أعوام الحرب الأهلية. فعلى الرغم من أن الثورة الألمانية في نوفمبر 1918 أجبرت القوات على الانسحاب من أوكرانيا الحالية، إلا أن مناطق حيوية كانت لا تزال تحت سيطرة الجيوش البيضاء. نتج عن ذلك، من بين أمور أخرى، نقص حاد في الوقود في بتروغراد، إذ كانت منطقة دونباس، التي تُعرف اليوم بشرق أوكرانيا، ومناطق الفحم الأخرى، خاضعة لسيطرة القوات المضادة للثورة.
كما نشطت الثورة المضادة خلف خطوط الجبهة. وانخرط الفرنسيون والبريطانيون، على وجه الخصوص، في جهود واسعة النطاق لاختراق القوات السوفيتية وجهاز الدولة الفتيّ عديم الخبرة آنذاك. واستناداً إلى بحث في أرشيفات موسكو وسانت بطرسبرغ وبريطانيا العظمى، أعاد رابينوفيتش تركيب عمل أحد عملاء جهاز المخابرات البريطاني (MI6) ذوي التأثير البالغ، بول دوكس، الذي تمكّن من بناء شبكة تجسس واسعة النطاق عام 1919.
وعلى الرغم من أن عملية دوكس تركزت في بتروغراد، إلا أنه كان لها تداعيات بعيدة المدى على ساحة المعركة التي واجه فيها الجيش الأحمر القوات العسكرية المشتركة لأكثر من اثنتي عشرة دولة رأسمالية معادية. كتب رابينوفيتش أن دوكس 'قام بتجنيد وتوجيه شبكة واسعة من العملاء السريين، معظمهم مدفوع الأجر، وكان جميعهم تقريباً معادين بشدة للنظام البلشفي. ونجح هؤلاء العملاء السريون، ودوكس نفسه، في التسلل إلى العديد من أهم الوكالات والمنشآت المدنية والعسكرية في بتروغراد، بما في ذلك غوروخوفايا 2 بالإضافة إلى حامية بتروغراد.' (ص 79 (
ألقت المواد التي جمعها رابينوفيتش حول عمليات دوكس ضوءاً جديداً على خلفية انتفاضة كونشات في آدا /مارس 1921. فبعد أن كانت كرونشتادت مركزاً للنفوذ البلشفي عام 1917، أصبحت بحلول عام 1919 محوراً حيوياً لمؤامرات القوى المعادية للثورة. وأشار رابينوفيتش إلى أن 'دوكس طوّر قناة اتصال فعّالة للغاية مع كرونشتادت وأسطول البلطيق الأحمر، إذ تلقى منها تدفقاً مستمراً من البيانات العسكرية القيّمة والمُحدّثة، التي كانت في الغالب سرية للغاية.
وبالتالي، بالإضافة إلى تحليله الشخصي لأحدث البيانات البحرية المتعلقة بالمسائل الحساسة المتعلقة بالموظفين والتخطيط والعمليات، والمشاكل الداخلية بمختلف أنواعها، فقد زوّد لندن بنسخ مسروقة من تقارير الحالة، كاشفاً عن مراسلات بين المسؤولين البحريين في كرونشتادت وبينهم وبين موسكو، ووثائق تخطيط مُحدّثة، ومعلومات تعلقت بأمور بالغة الأهمية مثل مواقع حقول الألغام وغيرها من الأهداف الرئيسية'. (ص 79).
وثق رابينوفيتش أيضاً مؤامرات البرجوازية الفنلندية المضادة للثورة، التي شملت هجمات إرهابية كبرى في بتروغراد أواخر آذار/مارس 1919. وتُعدّ الفصول التي تتناول تلك المؤامرات والانتفاضات المضادة للثورة من بين أقوى الفصول، إذ تضمنت كماً هائلاً من المعلومات الجديدة كلياً. وأظهرت تلك الفصول مدى تعقيد التحديات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي واجهت البلاشفة. ففي كل خطوة، كان تقدم الجيوش المضادة للثورة مدعوماً بعمليات عملائها خلف خطوط الجبهة.
ومع ذلك، هناك تقرير جدير بالملاحظة كتبه عميل المخابرات البريطانية (MI6) المسمى 'دوكس' بنفسه، الذي نُشر بتفصيلٍ في الكتاب، لمحةً عن أسباب فشل تلك الجهود في نهاية المطاف. ومهما كانت الصعوبات الهائلة التي واجهتها تلك الفترة، فقد رسخت انتصارات الثورة جذورها عميقاً في وعي الجماهير. بعض الفقرات من تقرير دوكس جديرة بالاقتباس:
لقد أُدخلت إصلاحات هائلة على مجال المدارس المسائية للطبقة العاملة، ومن الحماقة الاعتقاد بأن العمال، مهما كانت معارضتهم للبلشفية، سيخضعون في المستقبل لتقليص امتيازاتهم في هذا الشأن. تُتابع الدراسات في هذه المدارس المسائية بحماس كبير. ويحرز الشباب العامل والفتيات، الذين كانوا محرومين سابقاً من وسائل التعليم، تقدماً سريعاً. لا حاجة إلى حوافز لجذب التلاميذ إلى هذه الفصول، ومع ذلك يُبذل كل جهد ممكن لجعلها جذابة، حتى تقديم وجبات عشاء مجانية. يُولى اهتمام خاص للرياضة، والتربية البدنية، والبستنة، والتاريخ الطبيعي. قد تكون هذه الابتكارات أحياناً أحادية الجانب وغير متقنة، ودائماً ما تتأثر بالدعاية الشيوعية، لكن جميع المعلمين يشهدون على شغف تلاميذهم بالتعلم. علاوة على ذلك، يجب أن يُنسب الفضل في توفير الحفلات الموسيقية والأوبرا والمسرح المجانية للطبقة العاملة إلى النظام السوفيتي. سيتعين على الحكومة المستقبلية أن تأخذ في الحسبان حقيقة أنه بصرف النظر عن العداء السياسي للسلطة البلشفية، هناك مجالات حظيت فيها الإصلاحات السوفيتية بموافقة عامة من الشعب، وأن محاولات تقليص هذه الفوائد ستثير العداء حتماً. (مقتبس من الصفحتين 83-84)
انتفضت الطبقة العاملة في المدينة كلما تعرضت تلك المكاسب للخطر. ولعل أبرز تلك الأحداث كان التصدي لمحاولة قوات الجنرال نيكولاي يودينيتش، المدعومة من الإمبرياليين، للاستيلاء على بتروغراد في خريف عام 1919. وعلى الرغم من أن البلاشفة بدأوا استعداداتهم للدفاع عن المدينة متأخرين جداً، وكانوا في موقف ضعيف للغاية، إلا أن الهجوم صُدّ. يُبين رابينوفيتش أن هناك سببين رئيسيين لذلك: أولهما، التعبئة الجماهيرية للعمال في المدينة، بمن فيهم كثيرون ممن لم يدعموا البلاشفة سياسياً، لكنهم كانوا مصممين على الدفاع عن الثورة. أما السبب الثاني، فكان التدخل الاستثنائي لليون تروتسكي.
في كتابه الصادر عام 1976 عن ثورة 1917، بعنوان 'وصول البلاشفة إلى السلطة'، وثّق رابينوفيتش الدور المحوري الذي لعبه تروتسكي في الاستيلاء الفعلي على السلطة. بصفته رئيساً للمجلس العسكري الثوري، كان تخطيط تروتسكي وإصراره السياسي البارع على انتظار المؤتمر الثاني للسوفيتات للاستيلاء على السلطة هما ما ضمنا في نهاية المطاف نجاح الانتفاضة. وشبه رابينوفيتش دور تروتسكي في الدفاع عن بتروغراد عام 1919 بهذا الإنجاز السابق.
خلال 'أيام أكتوبر' الحاسمة عام 1917، قام ليف تروتسكي، رئيس سوفييت بتروغراد والقائد الفعلي للجنة العسكرية الثورية فيه، أكثر من أي فرد آخر، بهندسة وصول البلاشفة إلى السلطة بنجاح. وبعد عامين، في أكتوبر 1919، وبصفته مفوضاً شعبياً للحرب، قاد الدفاع عن ذلك الإنجاز التاريخي ضد دمار شبه محقق على يد جيش الشمال الغربي الأبيض المهاجم بقيادة الجنرال نيكولاي يودينيتش. بدأ `g; الأداء المذهل في 16 تشرين الأول / أكتوبر، عندما غادر تروتسكي موسكو متوجهًا إلى بتروغراد على متن قطاره المدرع. (ص 172).
قبل وصول تروتسكي، كان احتلال بتروغراد احتمالاً وارداً، وبدأت حالة من الانهيار المعنوي تنتشر. ومع ذلك، وبفضل قدراته السياسية والخطابية والعسكرية الاستراتيجية الاستثنائية، تمكن تروتسكي في غضون أيام قليلة من حشد قوات الجيش الأحمر والطبقة العاملة المحلية.
ولضمان الدفاع عن بتروغراد، كان على تروتسكي أولاً توحيد القوات داخل المدينة وإيقاف انسحاب قوات الجيش الأحمر السابع. تميز تدخله بصراحة لاذعة في إدانة ما أسماه 'الذعر المخزي الذي أعقبه فرار لا داعي له'. غيّر تروتسكي قيادة الفرقة، وأصرّ على أن قوات العدو أضعف من أن تخوض قتالاً مباشراً، ودعا الضباط إلى توعية جنودهم بهذه الحقيقة، وحثّهم قائلاً: 'إلى الأمام، هاجموا، هاجموا، هاجموا، هاجموا، هاجموا!'. ومع ذلك، ورغم هذه التدخلات وطلبات التعزيزات من أنحاء أخرى من الجمهورية السوفيتية، كان لا بد من أن تتولى القوات المحلية والسكان مهمة الدفاع عن بتروغراد إلى حد كبير. استعداداً لاحتمال خوض حرب شوارع لصد الاحتلال، قال تروتسكي للقادة البلاشفة المحليين:
يجب عليكم جميعاً أن تقولوا لمواطنيكم في المصانع والمعامل وتجمعات العمال إن بتروغراد لم تواجه قط خطراً جسيماً كهذا الذي تواجهه الآن... نحن بحاجة إلى تأمين أنفسنا بشكل مضاعف - من جهة على الجبهة، ومن جهة أخرى داخل بتروغراد... أولئك الذين قد يحاولون شن غارة ليلية على بتروغراد لذبح العمال النائمين، ونساء المصانع وأطفالهن، عليهم أن يعلموا أننا سنعمل بلا كلل الليلة، وخلال النهار غداً، وبعد غد، وطوال هذه الأيام العصيبة لتقوية أنفسنا داخلياً... نحن أقوياء بما يكفي لسحق الحرس الأبيض المهاجم وسحقه حتى لو بلغ عددهم 10,000 بدلًا من 3 أو 4 أو 5 آلاف... يجب تعبئة كل من لا يمكن الاستعانة به على الجبهة لخوض حرب الشوارع، بمن فيهم النساء. لن يكون أداء النساء العاملات والزوجات والأمهات أسوأ من أداء الرجال في تسليح أنفسهن بالبنادق والمسدسات والقنابل اليدوية للدفاع عن الطبقة العاملة الروسية والعالمية في شوارع وساحات ومباني بتروغراد. ... ستبقى بتروغراد الحمراء كما كانت، منارة الثورة، وصخرة الفولاذ التي سنبني عليها كنيسة المستقبل. مدعومين بقوى البلاد مجتمعة، لن نسلم بتروغراد لأحد. (مقتبس من الصفحة 181)
ظلّت الأجواء في بتروغراد كئيبةً في الأيام التالية، إذ استعدت القوات المعادية للثورة لما اعتبرته نصراً شبه مؤكد. ومع ذلك، في الفترة ما بين 21 و25 تشرين الأول /أكتوبر، تمكّنت القوات الحمراء من صدّ محاولات متكررة من جانب القوات البيضاء للتوغل في قلب بتروغراد. وبحلول نهاية الشهر، انهارت محاولة الاستيلاء على مدينة الثورة. وبعد ذلك بوقت قصير، شنّ الجيش الأحمر هجوماً مضاداً. وكما خلص مسؤول أمريكي بخيبة أمل، 'انتهت حملة يودينيتش المُبشّر بها إلى مهزلة عزّزت مكانة البلاشفة بحماس'. (مقتبس من الصفحة 193)
المعارضة العسكرية
خصّص رابينوفيتش حيزاً كبيراً من كتابه لمناقشة الصراعات داخل الحزب البلشفي. ويُعدّ فصله عن المؤتمر الثامن للحزب في آذار / مارس 1919 ذا أهمية خاصة. ففي ذلك الوقت، كانت ما سُميت بالمعارضة العسكرية، التي حظيت بدعم جوزيف ستالين والعديد من حلفائه المستقبليين، قد اكتسبت نفوذاً كبيراً داخل الحزب. كان الهدف الرئيسي للنقد هو تصور ليون تروتسكي لتنظيم الجيش الأحمر، الذي قاده منذ تأسيسه في مارس 1918. وبدعم من لينين، أصر تروتسكي على إنشاء هيكل قيادة مركزي والاستعانة بخبراء عسكريين - ما يُعرف بـ'السبتي' - من الجيش الإمبراطوري. وكانا مقتنعين بضرورة توظيف الخبرة العسكرية والتقنية لهؤلاء الخبراء لتحقيق أهداف الجيش الثوري، على الرغم من أن العديد منهم كانوا وظلوا ن معادين للثورة. وللإشراف على عملهم العسكري وتقييمه، وُضع هؤلاء الخبراء تحت إشراف مفوضين سياسيين من أعضاء الحزب الموثوق بهم.
لم تُفحص الوثائق المتعلقة بذلك النزاع بشكل كامل. فعلى مدى عقود، أخفت البيروقراطية الستالينية محاضر رئيسية لمناقشات مع المعارضة العسكرية، ولا سيما تلك التي عُقدت في جلسات مغلقة من المؤتمر الثامن للحزب. وقد صُممت تلك الجلسات المغلقة لحصر مناقشة السياسات الحساسة والمثيرة للجدل في عدد محدد من المندوبين. وعلى النقيض من بقية إجراءات المؤتمر لم يتم نشر نصوص الجلسات المغلقة في المنشورات الرسمية لمحاضر المؤتمر.
أشار رابنوفيتش استناداً إلى دراسة متأنية لتلك المواد، إلى أن 'المعارضة العسكرية حظيت بأغلبية ساحقة في جميع الاجتماعات المغلقة الأربعة للقسم العسكري في المؤتمر' (ص 41). وقد احتدمت المناقشات لدرجة أن تروتسكي وأنصاره انسحبوا غاضبين من إحدى الجلسات. وبناءً على محاضر الجلسات التي نُشرت في السنوات الأخيرة للاتحاد السوفيتي، خلص رابينوفيتش إلى أن موقف تروتسكي لم ينتصر إلا بعد تدخل قوي من لينين. كتب:
في رد حازم، كما هو معهود عنه، بل وحماسي أحياناً، على حجج المعارضة العسكرية... أقر لينين بأن انسحاب أقلية من القسم العسكري قبل انتهاء عمله كان غير لائق. ومع ذلك، فقد كان من الواضح أنه مستاء للغاية من الطريقة التي سارت بها مناقشات المسألة العسكرية في القسم العسكري؛ وأدان أطروحات سميرنوف [المعارضة العسكرية] بشكل فردي وجماعي بشدة بالغة. (ص ٤٢).
أبرز رابينوفيتش أهمية النصر الهشّ، وإن كان حاسماً في نهاية المطاف، بالنسبة لمفهوم تروتسكي لبناء جيش أحمر عالي الانضباط بمشاركة متخصصين عسكريين. كتب رابينوفيتش: ' كانت خطوة حاسمة نحو النصر النهائي في الحرب الأهلية. عزز القرار النهائي للمؤتمر بشأن المسألة العسكرية صورة تروتسكي كمهندس نجاح الجمهورية السوفيتية في الحرب الأهلية الروسية، وبطلها الأبرز إلى جانب لينين.' (ص 50).
في سيرته الذاتية عن ستالين، خصص تروتسكي حيزاً كبيراً لمناقشة الصراع مع المعارضة العسكرية. وميّز بين مجموعتين: الأولى، بقيادة ستالين، تمحورت حول شرائح داخل الحزب ذات توجهات قومية ومحلية ضيقة، استاءت من السيطرة السياسية والانضباط من القيادة العسكرية المركزية. لكن تروتسكي أشار إلى وجود 'العديد من العمال المتقدمين، والعناصر المناضلة التي امتلكت مخزوناً جديداً من الطاقة، الذين ارتجفوا من القلق السياسي عندما رأوا مهندسي الأمس وضباطهم ومعلميهم وأساتذة جامعاتهم، يعودون مرة أخرى إلى مناصب قيادية'. وتابع تروتسكي أن هذا الشعور بين العمال 'عكس، في التحليل النهائي، انعدام ثقة [الطبقة العاملة] في قدراتها، وعدم يقينها من قدرة الطبقة الجديدة التي وصلت إلى السلطة على الهيمنة والسيطرة على الدوائر الواسعة للنخبة المثقفة القديمة'. [1]
في غضون ذلك، عزا تروتسكي النظرة الاجتماعية والسياسية للطبقات التي تجمعت حول ستالين إلى '...نزعات الانفصال التي أيقظتها الثورة، والنزعة الإقليمية لبلد شاسع يتألف من مجتمعات معزولة، وروح الاستقلال الفطرية التي لم تتح لها الفرصة أو الوقت الكافي للنضوج بعد'.[2]
كان الصراع الذي اندلع في المؤتمر الثامن مُهيأً له إلى حد كبير من قبل ستالين وجماعته المعروفة باسم 'جماعة تساريتسين'، التي ضمت شخصيات مثل فوروشيلوف، الذي سيلعب لاحقاً دورًا خبيثاً في رد الفعل الستاليني ضد ثورة أكتوبر. ووفقاً لمذكرات تروتسكي، كان ستالين هو من 'حرك الخيوط من وراء الكواليس' في العديد من الصراعات التي سبقت المؤتمر الثامن.
وألقى نقاش رابينوفيتش حول التوترات بين منظمتي بتروغراد وموسكو، ودور غريغوري زينوفيف، رئيس منظمة حزب بتروغراد، مزيداً من الضوء على الصراعات داخل القيادة البلشفية. انتمى زينوفيف، المتعاون المقرب من لينين لفترة طويلة، إلى الجناح اليميني لقيادة الحزب البلشفي عام 1917، حين قاد المعارضة لإصرار لينين على استيلاء الاشتراكيين على السلطة، بحجة أن ذلك سيكون 'سابقاً لأوانه'. وكما أشار تروتسكي لاحقاً، كان زينوفيف عنصراً أساسياً في صعود ستالين إلى السلطة، ولا سيما تعيينه أميناً عاماً. في كتابه 'بقاء البلاشفة'، قدم رابينوفيتش خلفية مهمة لترسيخ دور زينوفيف في الحزب في فترة ما بعد عام 1917.
بغض النظر عن نقاط ضعفه السياسية الجوهرية، حظي زينوفيف بشعبية واسعة بين عمال بتروغراد، وأصبح رئيساً للأممية الشيوعية المُنشأة حديثاً عام ١٩١٩. وفي العام نفسه، تولى أيضاً العديد من المسؤوليات التنظيمية من ياكوف سفيردلوف، السكرتير اللامع والمبدئي للجنة المركزية، الذي توفي في أوائل مارس ١٩١٩. وعلى الرغم من الدور الدولي والوطني المتنامي لزينوفيف، أظهر بحث رابينوفيتش بوضوح أن نظرته في تلك الفترة ظلت متأثرة بالنزعة المحلية الضيقة. فقد كان دائماً مستاءً من نقل 'العاصمة الثورية' إلى موسكو عام 1918. ومع ذلك، وكما هو الحال في مناقشة المعارضة العسكرية، لم يتم توضيح الأهمية السياسية والتاريخية الأوسع للتوترات بين بتروغراد وموسكو، التي تجاوزت فترة الحرب الأهلية المباشرة. ويعود ذلك إلى تركيز رابينوفيتش الشديد على الفترة الزمنية المحددة التي غطاها الكتاب، حيث يميل إلى تجنب الأحكام السياسية الأوسع نطاقًا التي لا تدعمها وثائق تجريبية مباشرة. إنه لا يحاول الربط بين أحداث عام 1919 والصراعات الحزبية الداخلية التي اندلعت بعد أربع سنوات.
مع ذلك، أسهم سرد رابينوفيتش بلا شك في فهم الخلفية السياسية للتحالف اللاحق بين زينوفيف وستالين عام 1923 ضد تروتسكي. في إحدى ملاحظاته اللافتة، وصف رابينوفيتش زينوفيف بأنه 'بلشفي قديم بين البلاشفة القدامى'، مشيراً إلى أن مواقف زينوفيف كانت مؤشراً على نزعة أوسع نطاقاً لدى شريحة من البلاشفة القدامى.
كما يُساعد سرده في فهم تردد تروتسكي الأولي، ثم تأييده النهائي، للتحالف مع زينوفيف عام 1926 ضمن 'المعارضة اليسارية الموحدة'. أولاً، بغض النظر عن دوره في الحملة ضد تروتسكي في الفترة 1923-1924، ونقاط ضعفه السياسية المستمرة والهامة، فقد تمتع زينوفيف بنفوذ كبير في أوساط الطبقة العاملة في بتروغراد. وبالتالي، فإن ابتعاده عن ستالين عكس تحولات سياسية أوسع نطاقاً داخل شريحة حيوية من البروليتاريا السوفيتية. ثانياً مثّل زينوفيف نزعةً لدى البلاشفة القدامى، الذين، مع أنهم لم يقبلوا الثورة الدائمة قبولاً تاماً، انزعجوا بشدة من سياسات ستالين الانتهازية في الفترة 1924-1926، ورأوا بشكل متزايد أن نضال المعارضة اليسارية، الذي بدأ عام 1923، كان مُبرراً.
الحرب الأهلية، والستالينية، والثورة العالمية
ركز رابينوفيتش بشدة على تنامي السخط من البلاشفة بين الطبقة العاملة في بتروغراد. ولاحظ أن العديد من أكثر الشيوعيين العماليين ولاءً قد جُندوا إلى الجبهة، وقدم أرقاماً مُذهلة حول النقص الحاد في الكوادر في بتروغراد. وكتب: 'كان لكل زعيم حزبي كفء تقريباً لا يزال في بتروغراد مهام متعددة في الحزب والحكومة و/أو النقابات العمالية. وكان العديد منهم أيضاً إما محررين أو كُتاباً منتظمين في صحافة الحزب والحكومة.' (ص 17). وزاد ذلك الوضع من الحاجة إلى مركزية مُفرطة وسيطرة صارمة على النمط العسكري.
أكد رابينوفيتش أيضاً أن النقابات كانت أكبر بكثير من الحزب من حيث عدد الأعضاء، وأنها لعبت دوراً محورياً في الدفاع عن بتروغراد. ورأى أن غالبية العمال شعروا بالولاء للثورة، لكنهم قاوموا الانضمام إلى الحزب.
وأكد رابينوفيتش أن تزايد عزلة الشيوعيين داخل الطبقة العاملة، إلى جانب ضغوط الثورة المضادة، يفسر التحول نحو الاستبداد. وكتب: 'بالنسبة لكثير من القيادات الشيوعية المحلية والوطنية، فإن هذه الظروف الخطيرة المحتملة، إلى جانب إيمانهم المستمر بقدوم الثورات الاشتراكية المساواوية في الخارج، بررت تشديداً متزايداً للمركزية والاستبداد داخل الحزب والسوفيتات، من أعلى الهرم إلى أسفله، مصحوباً بإرهاب دموي وقمع متزايد باسم البقاء السياسي والجسدي'. (ص 267)
سلط رابينوفيتش الضوء على دور الاشتراكيين الثوريين اليساريين، الذين شكّل البلاشفة معهم ائتلافاً مؤقتاً في الفترة 1917-1918، في تنظيم إضرابات كبرى عام 1919. كما أولى اهتماماً كبيراً لما سماه، بشكلٍ مُربكٍ نوعاً ما، 'المعارضة اليسارية' داخل الحزب البلشفي، التي تمحورت حول المركزيين الديمقراطيين، بقيادة تيموفي سابرونوف وفلاديمير أوسينسكي. بعد أربع سنوات، انضم المركزيون الديمقراطيون إلى كتلة تروتسكي، ووقعوا الوثيقة التأسيسية للمعارضة اليسارية، إعلان ال 46 في تشرين الأول /أكتوبر 1923. مع ذلك، في هذه الفترة، عارضوا بشدة قيادة لينين وتروتسكي، وتحدّوا، في بعض الأحيان بحزمٍ شديد، قيادتهما للحزب.
ومثل العديد من المؤرخين، أبدى رابينوفيتش تعاطفاً كبيراً مع حجج المركزيين الديمقراطيين الذين أصرّوا على مزيدٍ من الديمقراطية داخل الحزب. تجدر الإشارة إلى أن لينين أقرّ بأن المركزيين الديمقراطيين عبّروا عن مخاوف مشروعة بين العمال بشأن بيروقراطية الحزب. لكنه كان حذراً أيضاً من إمكانية استغلال تلك المخاوف بسهولة من قِبل القوى المعادية للثورة. من وجهة نظر سياسية، مثّل المركزيون الديمقراطيون تحالفاً بين شريحة من المثقفين في الحزب، ذات توجه قومي، وبين العمال الذين خافوا، كطبقة، من عدم قدرتهم على الحفاظ على مكاسب الثورة. إلا أن نقطة الضعف الأساسية للمركزيين الديمقراطيين تمثلت في عدم اكتراثهم بقضايا الاستراتيجية الدولية.
أشار رابينوفيتش إلى أن النزعات القومية الضيقة كانت منتشرة نسبياً بين سكان المدينة، إذ لاحظ أنه بحلول عام 1919 كان هناك '...استياء شعبي مستمر من تركيز صحيفة بتروغرادسكايا برافدا [الصحيفة البلشفية المحلية الرائدة] المستمر على القضايا الدولية والوطنية الكبرى على حساب هموم عمال المصانع العاديين اليومية.' (ص 258)
وشارك رابينوفيتش بعضاً من تلك النظرة. فهو أولى اهتماماً كبيراً للمظالم الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة في بتروغراد. ومع ذلك، لما ذكر كتابه إطلاقاً تأسيس الأممية الشيوعية في مارس 1919، على الرغم من أنه، من منظور تطور الحركة الثورية وثورة أكتوبر، كان الحدث الأهم في ذلك العام. وقد كرّس العديد من الشخصيات الرئيسية في كتابه - بمن فيهم تروتسكي وزينوفيف - قدراً كبيراً من طاقتهم السياسية للأممية الشيوعية، حتى وهم يعملون بجد للدفاع عن الثورة في بتروغراد وخارجها.
إن نقطة قوة رابينوفيتش العظيمة - وهي اهتمامه الاستثنائي بالتفاصيل والتزامه بالبحث الميداني الدقيق - تتحول إلى نقطة ضعف عندما تُحجب التفاصيل 'على أرض الواقع' فهم الصورة الأوسع. ففي بعض الأحيان، يضيع الوضع الأكبر - وعلى رأسها المسار الدولي للثورة - وسط الكم الهائل من التفاصيل، وإن كانت مثيرة للاهتمام، حول مجريات الأحداث في بتروغراد. وهذا يعيق فهم بعض أهم استنتاجات رابينوفيتش حول العلاقة المتغيرة بين البلاشفة والطبقة العاملة، والتوترات الهائلة المتصاعدة داخل القيادة البلشفية.
بحلول عام 1919، كانت الحرب الأهلية في أوجها، وطلب البلاشفة من العمال، الذين ضحوا بالكثير، أن يضحوا بالمزيد. طوال هذه الفترة، رأى البلاشفة مهمتهم الرئيسية في الدفاع عن مكاسب الاستيلاء على سلطة الدولة، التي اعتبروها مجرد بداية لثورة عالمية. لكن في ألمانيا، مُنيت الحركة الثورية بنكسات كبيرة مع هزيمة ثورة 1918/1919 واغتيال روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت. ومع ذلك، لم تنتهِ فترة الانتفاضات الثورية، ولم تكن هزيمتها النهائية حتمية. ففي عام 1923، برز وضع ثوري جديد في ألمانيا. لو نجحت أي من هذه الثورات، لتغير الوضع الاجتماعي والاقتصادي للجمهورية السوفيتية بشكل جذري، وتغيرت الحالة المزاجية السائدة في أوساط الطبقة العاملة أيضاً.
عندما لم يحدث ذلك، تغلب الإحباط والمزاج المحافظ. في ظل تلك الظروف، تعززت النزعات القومية داخل الحزب البلشفي، وبرزت في المعارضة العسكرية وغيرها من الأحداث الحاسمة خلال الحرب الأهلية. من هذا المنطلق، يُعدّ نقاش رابينوفيتش حول مختلف النزعات داخل الحزب البلشفي خلال الحرب الأهلية أكثر أهمية لفهم نشأة الستالينية من القرارات والأخطاء الفردية التي ارتُكبت في عام 1919 بحد ذاتها.
على الرغم من هذه النقائص، فقد كتب رابينوفيتش عملاً بالغ الأهمية. ومن الجدير بالذكر أنه أنجزه في سن متقدمة بمساعدة زوجته، المحررة المرموقة جانيت رابينوفيتش. يُظهر هذا الجهد درجة استثنائية من الالتزام العلمي والنزاهة. كتابه الأخير - كما كتبه السابقة - يستحق دراسة متأنية من قِبل كل مهتم بمصير الثورة الاشتراكية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
